فخر الدين الرازي
118
تفسير الرازي
وهو كون روحه القدسية متميزة عن سائر الأرواح البشرية بالكم والكيف . أما بالكم فلأنها أكثر مقدمات ، وأما بالكيف فلأنها أسرع انتقالاً من تلك المقدمات إلى النتائج من سائر الأرواح ، وأما قوله : * ( فصل لربك ) * فهو إشارة إلى المرتبة الثانية ، وقوله : * ( وانحر ) * إشارة إلى المرتبة الثالثة ، فإن منع النفس عن اللذات العاجلة جار مجرى النحر والذبح ، ثم قال : * ( إن شانئك هو الأبتر ) * ومعناه أن النفس التي تدعوك إلى طلب هذه المحسوسات والشهوات العاجلة ، أنها دائرة فانية ، وإنما الباقيات الصالحات خير عند ربك ، وهي السعادات الروحانية والمعارف الربانية التي هي باقية أبدية . ولنشرع الآن في التفسير قوله تعالى : * ( إنا أعطيناك الكوثر ) * اعلم أن فيه فوائد : الفائدة الأولى : أن هذه السورة كالتتمة لما قبلها من السور ، وكالأصل لما بعدها من السور . أما أنها كالتتمة لما قبلها من السور ، فلأن الله تعالى جعل سورة : * ( والضحى ) * في مدح محمد عليه الصلاة والسلام وتفصيل أحواله ، فذكر في أول السورة ثلاثة أشياء تتعلق بنبوته أولها : قوم : * ( ما ودعك ربك وما قلى ) * ، وثانيها : قوله : * ( وللآخرة خير لك من الأولى ) * وثالثها : * ( ولسوف يعطيك ربك فترضى ) * ثم ختم هذه السورة بذكر ثلاثة أحوال من أحواله عليه السلام فيما يتعلق بالدنيا وهي قوله : * ( ألم يجدك يتيماً فآوى ، ووجدك ضالاً فهدى ، ووجدك عائلاً فأغنى ) * . ثم ذكر في سورة : * ( ألم نشرح ) * أنه شرفه بثلاثة أشياء أولها : * ( ألم نشرح لك صدرك ) * وثانيها : * ( ووضعنا عنك وزرك ، الذي انقض ظهرك ) * ، وثالثها : * ( ورفعنا لك ذكرك ) * . ثم إنه تعالى شرفه في سورة : * ( التين ) * بثلاثة أنواع من التشريف أولها : أنه أقسم ببلده وهو قوله : * ( وهذا البلد الأمين ) * ، وثانيها : أنه أخبر عن خلاص أمته عن النار وهو قوله : * ( إلا الذين آمنوا ) * ، وثالثها : وصولهم إلى الثواب وهو قوله : * ( فلهم أجر غير ممنون ) * . ثم شرفه في سورة اقرأ بثلاثة أنواع من التشريفات أولها : * ( اقرأ باسم ربك ) * أي اقرأ القرآن على الحق مستعيناً باسم ربك وثانيها : أنه قهر خصمه بقوله : * ( فليدع ناديه سندع الزبانية ) * ، وثالثها : أنه خصه بالقربة التامة وهو : * ( واسجد واقترب ) * . وشرفه في سورة القدر بليلة القدر التي لها ثلاثة أنواع من الفضيلة أولها : كونها : * ( خيراً من ألف شهر ) * ، وثانيها : نزول : * ( الملائكة والروح فيها ) * وثالثها : كونها : * ( سلاماً حتى مطلع الفجر ) * . وشرفه في سورة : * ( لم يكن ) * بأن شرف أمته بثلاثة تشريفات أولها : أنهم : * ( خير البرية ) * وثانيها : * ( أن جزاؤهم عند ربهم جنات ) * ، وثالثها : رضا الله عنهم . وشرفه في سورة إذا زلزلت بثلاث تشريفات : أولها : قوله : * ( يومئذ تحدث أخبارها ) * وذلك يقتضي أن الأرض تشهد يوم القيامة لأمته بالطاعة والعبودية والثاني : قوله : * ( يومئذ يصدر الناس أشتاتاً ليروا أعمالهم ) * وذلك يدل على أنه تعرض عليهم طاعاتهم فيحصل لهم الفرح والسرور ، وثالثها : قوله : * ( فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ) * ومعرفة الله لا شك أنها أعظم من كل عظيم فلا بد وأن يصلوا إلى ثوابها ثم شرفه في سورة العاديات بأن أقسم بخيل الغزاة من أمته فوصف